تنبیه هام

يمكنك عزيزي الزائر زيارة موقع مشروع مدونات معاميرية على الرابط :

www.MaameerBlogs.com

أو زيارة موقع المدونة ضمن المشروع مباشرة على الرابط :

www.Tahkekat.com

الاثنين، ٣ نوفمبر، ٢٠٠٨

جلاءُ العَينِ في حُكمِ صَومِ العَاشُورَائَين

ردود الأفعال: 
جلاءُ العَينِ في حُكمِ صَومِ العَاشُورَائَين

قال صاحب الحدائق (عطر الله مرقده) عند ذكره للصوم المندوب:
> ومنها صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن ، كذا قيده جملة من الأصحاب وكأنهم جعلوا ذلك وجه جمع بين الأخبار الواردة في صومه أمرا ونهيا <(
[1]).

وروى الشيخ في التهذيب صحيحا عن علي بن الحسن بن فضال عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام: >أن عليا عليه السلام قال : صوموا العاشورا التاسع والعاشر فإنه يكفر ذنوب سنة<(
[2]) .
إلا أن السيد ابن طاووس أورده في كتابه الإقبال بإسناده إلى هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، عن أبيه: >أن عليا عليه السلام قال : صوموا من عاشوراء التاسع والعاشر فإنه يكفر ذنوب سنة<(
[3]).
وفي الجعفريات بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال كان علي ( ع ) يقول: >صوموا يوم عاشورا التاسع والعاشر احتياطا فإنه كفارة للسنة التي قبله وإن لم يعلم به أحدكم حتى يأكل فليتم صومه<(
[4]).
والظاهر أن الكل رواية واحدة.

وفي كتاب الاقبال عن كتاب دستور المذكرين [عن المفيد في كتاب حدائق الرياض خ ل] بإسناده عن ابن عباس قال: >إذا رأيت هلال محرم فاعدد فإذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائما، قال: قلت: كذلك كان يصوم محمد صلى الله عليه وآله؟، قال: نعم<(
[5]).
وفيما رواه الكليني في الكافي عن الحسن بن علي الهاشمي عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن سنان ، عن أبان ، عن عبد الملك قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن صوم تاسوعا وعاشورا من شهر المحرم فقال : >تاسوعا يوم حوصر فيه الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه رضي الله عنهم بكربلا .. وأما يوم عاشورا فيوم أصيب فيه الحسين ( عليه السلام ) صريعا بين أصحابه وأصحابه صرعى حوله [ عراة ] أفصوم يكون في ذلك اليوم ؟ ! كلا ورب البيت الحرام ما هو يوم صوم وما هو إلا يوم حزن ومصيبة .. فمن صامه أو تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوط عليه ... الحديث<(
[6]).
وفي صحيح مسلم عن الحسن بن علي الحلواني حدثنا ابن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب حدثني إسماعيل بن أمية انه سمع أبا غطفان بن طريف المري يقول سمعت عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) يقول حين صام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) <(
[7]).
وعدم إتيان العام المقبل المراد منه نزول صيام شهر رمضان، وأما الوعد بصيام التاسع من العام المقبل، فلأنه قد فات أول وقت الصيام المشروع لدى اليهود، كما سوف يتبين لك.
وفيه وفي البخاري بسنده إلى ابن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس (رضي الله عنهما): أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوما يعنى عاشوراء، فقالوا: هذا يوم عظيم وهو يوم نجى الله فيه موسى وأغرق آل فرعون فصام موسى شكر الله، فقال: انا أولى بموسى منهم فصامه وأمر بصيامه<(
[8]).

هذه جملة من الأخبار التي ورد فيها صريحا أو ضمنا ما يمكن بحثه في تحديد الموضوع له إسم (عاشوراء).

المقصود من يوم عاشوراء:
واتضخ من السرد السابق للأخبار الشريفة أن التسمية دائرة بين (عاشوراء) مجردة عن لام التعريف، و(العاشوراء) محلاة بها كما في رواية مسعدة والتي فيها >العاشورا التاسع والعاشر<. فهل الأصل في التسمية هو يوم العاشر من المحرم بخصوصه وعدي لليوم التاسع تغليبا لعلة الصوم فيه، أو أن الأصل في التسمية هو مجموع اليومين وأطلق على اليوم العاشر لجزئيته وسببية فيه أو بوضع آخر لخصوصه ؟. ثم هل يبتني على القول بكونه مجموع اليومين حرمة صومهما معا لو كان دليل دال على حرمة صوم عاشوراء، أو يحرم صوم خصوص نهار يوم عاشر من المحرم، وجوه، تتبين ضمن تفاصيل البحث. أقوال اللغويين:
قال الفراهيدي (-ت 170 هـ) في العين:
والعِشر : ورد الإبل ال‍يوم العاشر . وفي حسابهم : العِشر : التاسع ... ويجمع [ العِشر ] ويثنى ، فيقال : عشران وعشرون ، وكل عِشر من ذلك : تسعة أيام ... والعرب تقول : سقينا الإبل رفها أي : في كل يوم ، وغبا: إذا أوردوا يوما وأقاموا في الرعي يوما، وإذا أوردوا يوما وأقاموا في الرعي يومين ثم أوردوا ال‍يوم الثالث قالوا : أوردنا ربعا ، ولا يقولون ثلثا أبدا؛ لأنهم يحسبون يوم الورد الأول والآخر ، ويحسبون يومي المقام بينهما ، فيجعلون ذلك أربعة . فإذا زادوا على العشرة قالوا : أوردناها رفها بعد عشر . قال الليث : قلت للخليل : زعمت أن عِشرين جمع عِشر ، والعِشر تسعة أيام ، فكان ينبغي أن يكون العِشرون سبعة وعشرين يوما ، حتى تستكمل ثلاثة أتساع . فقال الخليل : ثماني عشر يوما عِشران [ ولما كان اليومان من العشر الثالث مع الثمانية عشر يوما ] سميته بالجمع ، قلت : من أين جاز لك ذلك ، ولم تستكمل الاجزاء الثلاثة ؟ هل يجوز أن تقول للدرهمين ودانقين : ثلاثة دراهم ؟ قال : لا أقيس على هذا ولكن أقيسه على قول أبي حنيفة ، ألا ترى أنه قال : طلقتها تطليقتين وعشر تطليقة ف‍هي ثلاث تطليقات ، وليس من التطليقة الثالثة في الطلاق إلا عشر تطليقة ، فكما جاز لأبي حنيفة أن يعتد بالعُشر جاز لي أن أعتد باليومين ... وعاشوراء : اليوم العاشر من محرم، ويقال : بل التاسع ، وكان المسلمون يصومونه قبل فرض شهر رمضان<(
[9]).
وقال ابن منظور ( ت711 هـ) في لسان العرب:
>والتاسوعاء : اليوم التاسع من المحرم ، وقيل هو يوم العاشوراء ، وأظنه مولدا . وفي حديث ابن عباس ، رضي الله عنهما : لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع يعني عاشوراء ، كأنه تأول فيه عِشر الورد أنها تسعة أيام ، والعرب تقول وردت الماء عشرا ، يعنون يوم التاسع ومن ههنا قالوا عشرين ، ولم يقولوا عشرين لأنهما عشران وبعض الثالث فجمع فقيل عشرين ، وقال ابن بري : لا أحسبهم سموا عاشوراء تاسوعاء إلا على الأظماء نحو العشر لأن الإبل تشرب في اليوم التاسع وكذلك الخمس تشرب في اليوم الرابع ، قال ابن الأثير : إنما قال ذلك كراهة لموافقة اليهود فإنهم كانوا يصومون عاشوراء وهو العاشر ، فأراد أن يخالفهم ويصوم التاسع ، قال : وظاهر الحديث يدل على خلاف ما ذكر الأزهري من أنه عنى عاشوراء كأنه تأول فيه عشر ورد الإبل لأنه قد كان يصوم عاشوراء ، وهو اليوم العاشر ، ثم قال : إن بقيت إلى قابل لأصومن تاسوعاء ، فكيف يعد بصوم يوم قد كان يصومه ؟<(
[10]).
وقال في موضع آخر:
> وعاشوراء وعشورا ، ممدودان : اليوم العاشر من المحرم ، وقيل : التاسع . قال الأزهري : ولم يسمع في أمثلة الأسماء اسما على فاعولاء إلا أحرف قليلة ... وقد ألحق به تاسوعاء . وروي عن ابن عباس أنه قال في صوم عاشوراء : لئن سلمت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع ، قال الأزهري : ولهذا الحديث عدة من التأويلات أحدها أنه كره موافقة اليهود لأنهم يصومون اليوم العاشر ، وروي عن ابن عباس أنه قال : صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود ، قال : والوجه الثاني ما قاله المزني يحتمل أن يكون التاسع هو العاشر ، قال الأزهري : كأنه تأول فيه عشر الورد أنها تسعة أيام ، وهو الذي حكاه الليث عن الخليل وليس ببعيد عن الصواب<(
[11]).
وزاد الزبيدي (ت 1205هـ) في تاج العروس:
>قلت : وقد صحح الصاغاني هذا القول . والمراد بظاهر الحديث يعني حديث ابن عباس المذكور ، أنه قال حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء ، وأمر بصيامه ، قالوا : يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى ، فقال : فإذا كان العام القابل صمنا اليوم التاسع ، وفي رواية : إن بقيت إلى قابل لأصومن تاسوعاء أي فكيف يعد بصوم يوم قد كان يصومه . فتأمل . وقول الجوهري وغيره : إنه مولد فيه نظر ، فإن المولد هو اللفظ الذي ينطق به غير العرب من المحدثين ، وهذه لفظة وردت في الحديث الشريف ، وقالها النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفصح الخلق وأعرفهم بأنواع الكلام بوحي من الله الحق ، فأنى يتصور فيها التوليد ، أو يلحقها التفنيد ؟<(
[12]).
وقال في موضع سابق:
>والعاشوراء ، قال شيخنا : قلت : المعروف تجرده من " ال " والعشوراء ، ممدودان ويقصران ، والعاشور : عاشر المحرم، قال الأزهري : ولم يسمع في أمثلة الأسماء اسما على فاعولاء إلا أحرفا قليلة ... وبه أول [ إسماعيل بن يحيى ] ( 4 ) المزني الحديث لأصومن التاسع ، فقال : يحتمل أن يكون التاسع هو العاشر ، قال الأزهري : كأنه تأول فيه عشر الورد أنها تسعة أيام ، وهو الذي حكاه الليث عن الخليل ، وليس ببعيد عن الصواب<(
[13]).
وفي مجمع البحرين للطريحي (ت1085هـ):
> ويوم عاشوراء بالمد والقصر وهو عاشر المحرم ، وهو اسم إسلامي ، وجاء عشوراء بالمد مع حذف الألف التي بمد العين<(
[14]). وكأنه تابع ابن أثير في النهاية في غريب الحديث([15]).
وتررد الفيوزآبادي (ت 817هـ) في معناه فقال:
> والعاشوراء ، والعشوراء ، ويقصران ، والعاشور : عاشر المحرم ، أو تاسعه .. والعشر ، بالكسر : ورد الإبل اليوم العاشر أو التاسع ولهذا لم يقل عشرين ، وقالوا عشرين ، جعلوا ثمانية عشر يوما عشرين ، والتاسعة عشر والعشرين طائفة من الورد الثالث فقالوا : عشرين ، جمعوه بذلك<(
[16]).

فتبين أن بعض قدماء اللغويين قائلين أو غير مستبعدين لأن يكون عاشوراء بمعنى تاسع محرم الحرام، وأن المتأخرين منهم مترددين في ذلك.

أما تاريخ التسمية بحسب السبر التاريخي والروائي:
فأقدم ما جاء فيه من طرقنا:
ما رواه الشيخ في التهذيب موثقا عن علي بن الحسن بن فضال عن يعقوب بن يزيد عن أبي همام عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: >صام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم عاشوراء<(
[17]).
لكنها محمولة على ما ورد من إيجاب صومه على المؤمنين قبل تشريع صوم شهر رمضان كما يأتي.
وما رواه الشيخ كذلك في التهذيب عن أحمد بن محمد عن البرقي عن يونس بن هشام عن حفص بن غياث عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: >كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا ما يتفل يوم عاشورا في أفواه أطفال المراضع من ولد فاطمة (عليها السلام) من ريقه ويقول لا تطعموهم شيئا إلى الليل وكانوا يروون من ريق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: وكانت الوحش تصوم يوم عاشورا على عهد (داود عليه السلام)(
[18]) < . ولا يبعد أن يونس الذي يروي عنه البرقي هو يونس بن عبد الرحمن العلم المشهور، إذ لا وجود لشخص بهذا الإسم في أسانيد الأخبار بحسب التتبع، ومن يروي عنه البرقي باسم يونس عادة هو ابن عبد الرحمن، هذا مع أن نسخة الوسائل فيها عن البرقي عن يونس بن هاشم عن جعفر بن عثمان، وهو سند غريب كذلك؛ إذ يونس لو كان بن عبد الرحمن فهو لا يروي عن جعفر بن عثمان الرواسي، وهذا الأخير منحصرة رواياته بنقل ابن أبي عمير. وعلى كل حال فهذه الرواية كسابقتها، محمولة على ما ذكرنا آنفا. ويدل على حملهما على الصوم قبل تشريع صيام شهر رمضان صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم جميعا أنهما سألا أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء ، فقال : >كان صومه قبل شهر رمضان ، فلما نزل شهر رمضان تُرك<([19]).
وليس في ما روي من هذا القبيل تحديد لعاشوراء بأوسع من ليلتها أو يومها.

وأما رواية ابن عباس التي رواها السيد ابن طاووس وقدمنا بها صدر البحث وفيها : > إذا رأيت هلال محرم فاعدد فإذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائما، قال: قلت: كذلك كان يصوم محمد (صلى الله عليه وآله) ؟، قال: نعم <(
[20])، فلم ترد بطرق أصحابنا، والناظر في كتب السيد (طيب الله ثراه) يعلم مقدار تسامحه في النقل، خاصة في مثل كتابه الإقبال.
نعم هي بطريق العامة مروية بأكثر من طريق إلى ابن عباس وبنفس المضمون.
إلا أنها معارضة بروايات صريحة على كونه يوم العاشر بخصوصه، أو مبهمة المعنى مجملة.
على أنه يمكن الإشكال على هذا الحديث بما هو معروف من أن اليهود كانوا يعملون بالحساب الشمسي، وكانت العرب على القمري، فعاشوراء اليهود ليست متفقة مع عاشوراء المسلمين دائما، وما ذكر في هذا الحديث وأمثاله إنما هو تقليد لعمل اليهود وعاشورائهم بتاسعه وعاشره، ولا علاقة لها بشهر محرم الحرام، لا تاسعه ولا عاشره(
[21]).
يدلك عليه ما ذكره إبن المجاور في (تاريخ المستبصر)، قال في تعداد الأشهر اليهودية:
> تشري و مرحشون و كسليو و طيبث و شفط و آذار و نيسن و إير و سيون و تمز و أوب و إيلل، و يعمل على هذه الشهور جميع يهود الرابع المسكون<. ثم قال: > ما الكفور؟ هو اليوم العاشر من تشري و هذا ربما يسمى العاشوراء، و أما الكفور فهو من تكفير الذنوب و هذا اليوم فقط هو الذي فرض على اليهود صومه و القتل على من لا يصومه، و مدة الصوم خمسة و عشرون ساعة يبتدئ بها قبل غروب الشمس في اليوم التاسع و يختم بمضي ساعة بعد غروبها في اليوم العاشر، و لا يجوز أن يقع الكفور في يوم الأحد و لا في يوم الثلاثاء أو يوم الجمعة<(
[22]).
ومن كلامه هذا يعلم ما في قول ابن الأثير أنها اسم إسلامي من التنبيه على أن اليهود لم تكن تسميه عاشوراء.
وفيه تنبيه كذلك على أن تسميته بعاشوراء عربيا أو غيرها تسمية لجزء يسير من التاسع وتمام العاشر منه لا مجموع اليومين التاسع والعاشر كاملين، فغُلِّب العاشر على التاسع في الإطلاق.
ويدلك على ما قلناه كذلك ما في سفر اللاويين ضمن التوراة 6/ 19: (ويكون لكم فريضة دهرية أنكم في الشهر السابع، عاشر الشهر تذللون نفوسكم.. لأن في هذا اليوم يكفر عنكم لتطهيركم. الخ).
وفي سفر العدد 29/7:
((وفي عاشر هذا الشهر السابع يكون لكم محفل مقدس وتذللون أنفسكم )).
وهو يوم صوم مقدس معروف لديهم، فيه مراسم خاصة يقوم بها رئيس الكهنة كالإغتسال والزينة ولبس ثياب الكتان.
ثم إن الذي وقع فيه أغلب شراح الأحاديث من أهل السنة في تعيين اليوم وأنه التاسع أو العاشر قد دخل عليهم من هذه الجهة، وهي خفاء أن كلامه (صلى الله عليه وآله) -إن صح نقله بعينه- من أنه سيصوم التاسع من قابل وأنه (صلى الله عليه وآله) أحق بموسى منهم- إنما هو تأييد لنقلهم وفعلهم، وشكر لله على ما وقع في ذلك اليوم.

وأما الأخبار عن علي (عليه السلام) في صوم اليومين، التي منها:
ما رواه الشيخ في التهذيب صحيحا وأوردناها أول البحث بسنده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام: >أن عليا عليه السلام قال : صوموا العاشورا التاسع والعاشر فإنه يكفر ذنوب سنة<، وما تلونا عليك بعده. فإن فيها احتمالان: الأول: حمله على التقية، وهو أيسر المحامل. الثاني: أن يكون كلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو بنفسه كلام النبي (صلى الله عليه وآله) في المراد منه، وهو التاسع والعاشر من الشهر الشمسي، لا القمري. ويتأكد هذا الثاني لو صحت دعوى أن كثيرا من المرويات إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) هي المنقولة عن كتاب السنن والأحكام والقضايا الذي رواه أبو رافع - مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصاحب بيت مال أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكوفة- عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإن السنة لازالت قائمة على صوم هذا اليوم الذي لا يجامع العاشر من محرم الحرام. وكلا الإحتمالين يثبتان أجنبية هذين اليومين عن شهر محرم الحرام. كل هذا كان مصطلحا عليه مستعملا في التعابير قبل واقعة الطف إلى زمن من حياة الأئمة (عليهم السلام) بعده. يرشدك إليه الوارد -كالصحيح- في التهذيب بإسناده عن سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن جعفر بن محمد بن عبيد الله ، عن عبد الله بن ميمون القداح ، عن جعفر ، عن أبيه (عليهما السلام) قال : >صيام يوم عاشوراء كفارة سنة<(
[23]).
وفي الفقيه بسنده إلى الزهري -العامي المعبر عنه بالعدو في رجال الشيخ(
[24])- عن سيد الساجدين (عليه السلام) قال : >وأما الصوم الذي يكون صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة والخميس والاثنين ، وصوم البيض ، وصوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان ، وصوم يوم عرفة ، ويوم عاشوراء ، كل ذلك صاحبه فيه بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر<([25]).
وإن أبيت عما استظهرناه، فمجال الحمل على التقية واسع، مع كون الراوي في الثاني مثل الزهري الذي لا يخفى حاله.
وأما ما ورد من الأخبار بعد ذلك العصر، فإن اقتران فاجعة كربلاء بالعاشر من المحرم، أولد مصطلحا جديدا ووضعا خاصا لهذا الإسم -عاشوراء- مرتبطا بهذا اليوم بخصوصه لا محالة، وعليه تحمل كلماتهم (عليهم السلام) بعدها، خصوصا الواردة في آخر سنوات الصادق (عليه السلام)، أنظر مثلا لذلك روايات الباب 20 من أبواب الصوم المندوب في الوسائل(
[26]) وما بعده، تجدها بين ناقلة لقول علي (عليه السلام) أو السجاد أو الباقر (عليهما السلام)، أو حكاية لفعل النبي (صلى الله عليه وآله)، وكلها فيها دلالة على استحباب صوم هذا اليوم والتبرك به، وهو الذي دعا صاحب الوسائل نفسه (قدس الله روحه) لحملها على التحزن بصومه.
عدا ما رواه الشيخ في المصباح عن عبد الله بن سنان قال: > دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) يوم عاشوراء، [ فألفيته كاسف اللون ظاهر الحزن ] ودموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط ، فقلت : مم بكائك ؟ فقال : أفي غفلة أنت ؟ ! أما علمت أن الحسين (عليه السلام) أصيب في مثل هذا اليوم ؟ فقلت : ما قولك في صومه ؟ فقال لي : صمه من غير تبيت ، وأفطره من غير تشميت ، ولا تجعله يوم صوم كملا ، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء ، فإنه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ... <(
[27]) الحديث.
تجده (عليه السلام) قد أبان عن مصطلح جديد يباين المعروف سابقا، وبسببه سأل ابن سنان عن صومه المعروف، فأجاب (عليه السلام): > صمه .. وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة<، مشيرا إلى أنه ليس بصوم حقيقة بل هو إمساك ومواساة، وسيأتي حكمه. هذا مع ضم ما في تلك الأجواء من خلط لسنة النبي (صلى الله عليه وآله) في تراث أهل السنة، وتردد شديد في أوساطهم العلمية في معنى (عاشوراء)، وما زامنها من تقية لازمة على الشيعة، فلاحظه في روايات أبوابه تجده جليا. فمنها ما في الكافي عن محمد بن موسى ، عن يعقوب بن يزيد ، عن الحسن بن علي الوشاء قال : حدثني نجبة بن الحارث العطار قال : > سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء ؟ فقال : صوم متروك بنزول شهر رمضان ، والمتروك بدعة، قال نجبة: فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) من بعد أبيه (عليه السلام) عن ذلك فأجابني بمثل جواب أبيه، ثم قال : أما إنه صوم يوم ما نزل به كتاب ولا جرت به سنة إلا سنة آل زياد بقتل الحسين بن علي (عليهما السلام)<(
[28]).
فإنه - بعد معرفة أن المقصود من كونها متروكا هو حكم وجوب صيامه لا استحبابه المنقول عن علي (عليه السلام) وغيره؛ لمقابلته بصيام شهر رمضان، فالإتيان به بتلك النية ابتداع في الدين - بعد هذا كيف يجمع بين كونه مأمورا به إلى نزول صيام شهر رمضان -المؤيدة بروايات النبي وعلي والسجاد (عليهم السلام)- وبين تأكيده (عليه السلام) لنفي سنيته ونزوله، إلا أن يكون في البين شيئان، وليسا هما بحسب النظر إلا ما ذكرنا من حكم صيام عاشوراء المعروفة ما قبل تشريع صيام شهر رمضان، وحكم صيام عاشوراء ذات المعنى الحادث بعد واقعة الطف.
وهذا الخلط في مفهوم هذا اليوم - أعني عاشوراء التي كانت على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وعاشر محرم الحرام- قد دخلت فيها أيدي النواصب والوضاعين والمحرفين.
ففي المروي عن ميثم التمار في حديث جبلة:
> قالت : جبلة : فقلت له : يا ميثم، فكيف يتخذ الناس ذلك اليوم الذي قتل فيه الحسين يوم بركة ؟ فبكى ميثم (رضي الله عنه) ثم قال : يزعمون لحديث يضعونه انه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم وانما تاب الله على آدم في ذي الحجة ويزعمون أنه اليوم الذي قبل الله فيه توبة داود وانما قبل الله عز وجل توبته في ذي الحجة ويزعمون انه اليوم الذي اخرج الله فيه يونس من بطن الحوت وانما اخرج الله عز وجل يونس من بطن الحوت في ذي الحجة ويزعمون انه اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح على الجودي وانما استوت على الجودي في يوم الثامن عشر من ذي الحجة ويزعمون انه اليوم الذي فلق الله عز وجل فيه البحر لبني إسرائيل وانما كان ذلك في ربيع الأول ... <(
[29]).
حكم صيام العاشورائين
لابد من أن تكون النتيجة بعد هذا هو بقاء حكم الإستحباب لصيام عاشوراء الأولى، التي كانت على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ووصيه (عليه السلام) إلى زمن السجاد والباقر (عليها السلام) ومن تلاهم من الأئمة (عليهم السلام) على احتمال قوي، وأن صيامها بصيام يومي التاسع والعاشر من ذلك الشهر الشمسي.
إلا أن لتردد فيه مجال؛ لبعد خفاء حكمه على فقهاء الطائفة، وكون خفاء النكتة سبب لعدم تعرضهم لحكمه وإن كان هذا الفرض نادرا.
وقد يتمسك لنسخ حكمه بما تقدم من قول الباقر (عليه السلام): > صوم متروك بنزول شهر رمضان ، والمتروك بدعة<، لكننا استظهرنا نسخ وجوبه واستبداله بصوم شهر رمضان، وبقاء حكم استحباب صومه بمقتضى الوارد في شأنه والحث على صومه على لسان الأئمة (عليهم السلام)، لا لأجل أن نسخ الوجوب يبقى شيئا من الرجحان فيه فيحكم باستحبابه كما ذكر، فإن ذلك غير معلوم. وأما صيام العاشر من محرم الحرام: فإنا قدمنا صدر البحث كلام المحدث العصفور صاحب الحدائق (عطر الله تربته): > ومنها صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن ، كذا قيده جملة من الأصحاب وكأنهم جعلوا ذلك وجه جمع بين الأخبار الواردة في صومه أمرا ونهيا <(
[30])، لكنه (رحمه الله) ذهب بعد ذلك إلى حرمته بقول مطلق، وحمل ما ورد في فضل ذلك اليوم على التقية، أو طعن في رواتها.
والذي يظهر بعد ما سطرناه لك:
أن أخبار الجواز لا تعارض أخبار التحريم، وبينهما كمال التباين الموضوعي، إذ ما ورد في الجواز على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) إلى زمن الباقر (عليه السلام) الظاهر منه إرادة ذلك اليوم المعروف بين اليهود -وهو التاسع والعاشر من تشرين- بحسب ما ذكروه، وما ورد على لسان الصادق (عليه السلام) مباشرة تلاحظ فيه القرائن الحافة بالخطاب، فقد تحمل على ما ذكرنا، أو تحمل على التقية لكون المقصود بها موافقة العامة المستحبين لصوم العاشر من المحرم.
وعليه فتبقى أخبار التحريم -وإن كان كثير منها مبتلى بضعف السند إلا أن كثرتها واشتهارها واشتهار رواتها بالغة حد الإطمئنان بصدورها- بلا معارض وبلا مقتض لتقييدها بنية التبرك، ولنختم بذكر أحدها:
منها: ما رواه الكليني في الكافي عن الحسين بن علي الهاشمي، عن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان ، [ عن أبان ، عن عبد الملك ] قال : سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرم ؟ فقال : تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين (عليه السلام) وأصحابه (رضي الله عنهم) بكربلاء ، واجتمع عليه خيل أهل الشام ، وأناخوا عليه وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بنوافل الخيل وكثرتها ، واستضعفوا فيه الحسين (عليه السلام) وأصحابه (كرم الله وجوههم)، وأيقنوا أن لا يأتي الحسين (عليه السلام) ناصر ، ولا يمده أهل العراق ، بأبي المستضعف الغريب ، ثم قال : وأما يوم عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين (عليه السلام) صريعا بين أصحابه ، وأصحابه صرعى حوله ، أفصوم يكون في ذلك اليوم ؟ ! كلا ورب البيت الحرام ، ما هو يوم صوم ، وما هو إلا يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض وجميع المؤمنين ، ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام ، غضب الله عليهم وعلى ذرياتهم ، وذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام ، فمن صام أو تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوط عليه ، ومن ادخر إلى منزله فيه ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقا في قلبه إلى يوم يلقاه ، وانتزع البركة عنه وعن أهل بيته وولده ، وشاركه الشيطان في جميع ذلك <(
[31]).
فإن السائل فيها خص يومي التاسع والعاشر من محرم، وأجابه (عليه السلام) بحرمة الصوم أو التبرك فيه، وتوعد من صامه بعذاب أخروي دال على المصير ومؤكدا للحكم.
والمجال لبسط المقال متسع، إلا أن المقام مقام اختصار وإشارة، إقتصرنا فيه على المهم بأوجز أسلوب وأوضح عبارة.
تم بحمد الله في الأول من شهر ذي القعدة لسنة 1429 هـ

الهوامش:
([1]) الحدائق 13: 369.
([2]) التهذيب 4: 299/ ح11.
([3]) إقبال الأعمال 3: 51.
([4]) جامع أحاديث الشيعة 9: 475/ ح10.
([5]) جامع أحاديث الشيعة 9: 475/ ح11.
([6]) الكافي 4: 147/ ح7.
([7]) صحيح مسلم 3: 151/ باب (أي يوم يصام في عاشوراء).
([8]) البخاري 4: 126/ (باب قول الله تعالى وكلم الله موسى تكليما).
([9]) كتاب العين 1: 245/ باب العين والشين والراء معهما.
([10]) لسان العرب 8: 34/ مادة (تسع).
([11]) لسان العرب 4: 569/ مادة (عشر).
([12]) تاج العروس 11: 45/ مادة (تسع)
([13]) تاج العروس 7: 222/ مادة (عشر).
([14]) مجمع البحرين 3: 186/ مادة (ع ش ر)
([15]) النهاية في غريب الحديث 3: 240/ باب العين مع الشين.
([16]) القاموس المحيط 2: 90/
([17]) التهذيب 4: 300/ ح12.
([18]) التهذيب 4: 333/ ح113.
([19]) الفقيه 2: 85/ ح1800.
([20]) إقبال الأعمال 3: 45/ فصل 7.
([21]) إن قلت: لعله قد صادف عاشوراء اليهود عاشوراء المسلمين والعرب، فلا يمكن الجزم بكون المنظور إليه في الخطابات عاشوراء اليهود. قلنا: إن هذا الصوم قد صامه (رسول الله صلى الله عليه وآله) قبل هجرته إلى المدينة بحسب بعض الأخبار، وأمر بصيامه في السنة الأولى للهجرة، وهي لم تكن قد صادفت عاشر محرم؛ لوقوعها في شهر ربيع الأول، والمروي عن العامة متواترا كون الأمر بصيامه أول دخوله المدينة.
([22]) تاريخ المستبصر: فصل (ذكر شهور اليهود).
([23]) التهذيب 4: 300/ ح907.
([24]) رجال الشيخ: 119.
([25]) الفقيه 2: 48/ ح208.
([26]) السائل 10: 457.
([27]) الوسائل 10: 458-459/ ب20 ح7.
([28]) الكافي 4: 146/ ح4.
([29]) علل الشرائع 1 : 227 / ب162 ح3.
([30]) الحدائق 13: 369.
([31]) الكافي 4: 147/ ح2.

0 تعليقات: